عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
439
اللباب في علوم الكتاب
يستغن ، يغنه اللّه ، ومن يستعفف ، يعفّه اللّه ، لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب فيه فيبيعه بمدّ من تمر خير له من أن يسأل النّاس » « 1 » . فصل [ في نفي الحكم عن المحكوم عليه ] اعلم : أنّ العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه ، فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد ؛ نحو : « ما رأيت رجلا صالحا » ، الأكثر على أنك رأيت رجلا ، ولكن ليس بصالح ، ويجوز أنّك لم تر رجلا البتة ؛ لا صالحا ولا طالحا ، فقوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » المفهوم أنهم يسألون ، لكن لا بإلحاف ، ويجوز أن يكون المعنى : أنهم لا يسألون ، ولا يلحفون ؛ والمعنيان منقولان في التفسير ، والأرجح الأول عندهم ، ومثله في المعنى : « ما تأتينا فتحدّثنا » يجوز أنه يأتيهم ، ولا يحدّثهم ، ويجوز أنه لا يأتيهم ولا يحدّثهم ، انتفى السبب ، وهو الإتيان ، فانتفى المسبّب ، وهو الحديث . وقد شبّه الزجاج - رحمه اللّه تعالى - معنى ههذ الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس ؛ وهو قوله : [ الطويل ] 1244 - على لاحب لا يهتدى بمناره * إذا سافه العود النّباطيّ جرجرا « 2 » قال أبو حيّان : « تشبيه الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين ، أي : لا سؤال ولا إلحاف ، وكذلك هذا : لا منار ولا هداية ، لا أنه مثله في خصوصيّة النفي ، إذ كان يلزم أن يكون المعنى : لا إلحاف ، فلا سؤال ، وليس تركيب الآية على هذا المعنى ، ولا يصحّ : لا إلحاف ، فلا سؤال ؛ لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام ، كما لزم من نفي المنار ، نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه ، وإنما يؤدّي معنى النفي على طريقة النّفي في البيت أن لو كان التركيب : « لا يلحفون الناس سؤالا » لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف ، إذ نفي العامّ يدلّ على نفي الخاص ؛ فتلخّص من هذا : أنّ نفي الشيئين : تارة يدخل حرف النفي على شيء ، فتنتفي جميع عوارضه ، وينبّه على بعضها بالذكر لغرض ما ، وتارة يدخل حرف النفي على عارض من عوارضه ، والمقصود نفيه ، فتنتفي لنفيه عوارضه » . قال شهاب الدين : قد سبق الشيخ إلى هذا ابن عطية فقال : « تشبيهه ليس مثله في خصوصية النفي ؛ لأنّ انتفاء المنار في البيت يدلّ على نفي الهداية ، وليس انتفاء الإلحاح ،
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 418 ) والطبري في تهذيب الآثار كما في « كنز العمال » ( 16746 ) وأبو يعلى ( 12 / 47 ) رقم ( 6691 ) الشطر الأول منه وذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 3 / 95 ) وقال : رواه أبو يعلى من رواية محمد بن عبد الرحمن عن سهيل والعلاء ولم أعرفه . ( 2 ) ينظر ديوانه ( 95 ) ، أمالي ابن الشجري 1 / 192 ، الخصائص 3 / 165 ، معاني الزجاج 1 / 357 ، أمالي المرتضى 1 / 165 ، اللسان : سوق ، الدر المصون 1 / 657 .